ابن بطوطة

284

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

ثم سافرت إلى مدينة أنطاكية ، « 115 » وهي مدينة عظيمة أصيلة ، وكان عليها سور محكم لا نظير له في أسوار بلاد الشام ، فلما فتحها الملك الظاهر هدم سورها ، وأنطاكية كثيرة العمارة ، ودورها حسنة البناء كثيرة الأشجار والمياه ، وبخارجها نهر العاصي ، وبها قبر حبيب النجار « 116 » رضي اللّه عنه ، وعليه زاوية فيها الطعام للوارد والصادر ، شيخها الصالح المعمّر محمد بن علي ، سنّه ينيف على الماية ، وهو ممتع بقوته ، دخلت عليه مرة في بستان له وقد جمع حطبا ورفعه على كاهله ليأتي به منزله بالمدينة ، ورأيت ابنه قد أناف على الثمانين إلا أنه محدودب الظهر لا يستطيع النهوض ، ومن يراهما يظن الوالد منهما ولدا والولد والدا ! ! ثم سافرت إلى حصن بغراس « 117 » وضبط اسمه ببناء موحدة مضمومة وغين معجمة مسكنة وراء وآخره سين مهمل ، وهو حصن منيع لا يرام ، عليه البساتين والمزارع ، ومنه يدخل إلى بلاد سيس « 118 » ، وهي بلاد كفار الأرمن ، وهم رعية للملك الناصر يؤدون إليه مالا ، ودراهمهم فضة خالصة ، تعرف بالبغلية « 119 » ، وبها تصنع الثياب الدبليزية « 120 » ، وأمير هذا الحصن صارم الدين بن الشيباني ، وله ولد فاضل اسمه علاء الدين وابن أخ اسمه حسام الدين فاضل كريم يسكن الموضع المعروف بالرّصص بضم الراء والصاد المهمل الأول « 121 » ، ويحفظ الطريق إلى بلاد الأرمن .

--> ( 115 ) أنطاكية كانت مقرّا للإمارة الأنطاكية 491 - 1098 ، إلى أن فتحها بيبرس عام 666 - 1268 هذا وتقع أنطاكية الحالية ضمن السيادة التركية . ( 116 ) شخصية حبيب النجار معروفة عند المهتمين بأمر السيد المسيح عليه السلام ، معروفة باستشهادها في سبيل العقيدة ، وحسب رأي بعض المفسّرين فإن حبيبا هذا هو الرجل الذي تشير إليه الآية الشريفة : " وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى سورة يس ) رقم 36 - القبر إلى الآن يحظى بالاحترام . . . ( 117 ) حصن بغراس ( BAGRACE ) الذي بني من لدن الإمبراطور البيزنطي نيسفور فوكاس - ( NIC EPHOR PHOCAS ) عام 357 - 968 لحماية ممرّ بشمال أنطاكية ، يسمى من لدن الصليبيين گاستون أو كاستان ، لكن الحصن لم يلبث أن فتح من لدن صلاح الدين الأيوبي 584 - 1188 . ( 118 ) مملكة سيس أو أرمينية الصغرى أسسها الأمير روبّينيد ( Rupenid ) أمير سيليسيا ( CILICIA ) 472 - 1080 وقد تحالفت من وقت لآخر مع الصليبيين في أنطاكية . . إلى أن سقطت هذه في يد المماليك ( بيبرس ) حيث أصبحت سيس تؤدي الجزية للماليك عام 724 - 1723 . ( 119 ) الكلمة من أصل فارسي وهي تعني درهما ثقيل الوزن وقد ورد ذكرها عند ابن خلدون مرارا . ( 120 ) ترجمها الأستاذ ( گيب ) ج 1 ص 104 تعليق 143 على أنها الدبيلية باللّام نسبة إلى ( دبيل ) : العاصمة الأرمنية القديمة . ونقرأ في مخطوطة گايانكوس ومولاي العباس : الدبليزية ، ربما تحريف عن دبليس أي الثياب ذات النقوش الدائرية على نحو الدّبالس أي الدمالج . . . أنظر دوزى مادة ( دبل ) ( 121 ) الرصص هي حاليّا أرسو على الساحل جنوب الإسكندرية .